الرئيسيةمقالات سياسيةهل يمشي السعوديون بتسوية مؤلمة للحلفاء؟

هل يمشي السعوديون بتسوية مؤلمة للحلفاء؟

Published on

spot_img

في الأوساط القريبة من «حزب الله» انطباعات متفائلة هذه الأيام. يُقال: سيتعب الخصوم ويراهنون على أننا سنتراجع، لكن الأمور ستنتهي وفق ما نريد.

الفكرة التي ينطلق منها «الحزب» وحلفاؤه هي أنّ الوقت يلعب لمصلحتهم. يقولون: ميزان الربح إقليمياً يميل لمصلحة إيران. لقد تجرّأ السعوديون على إبرام اتفاق خارق مع الإيرانيين، برعاية الصين، فكسروا الاحتكار التقليدي لسيطرة الولايات المتحدة على خيوط الحل والربط في الخليج العربي. وباتت المشكلة اليوم في داخل التحالف القديم، الأميركي – السعودي.

وكذلك، يقترب السعوديون من إبرام تسويات للأزمات الإقليمية التي تعنيهم، فيها تميل الدفة إلى طهران. وما يريدونه في الدرجة الأولى هو حماية بيتهم الخليجي، أي الداخل السعودي واليمن، والعراق إلى حد بعيد. وبعد ذلك، سيبذلون ما في وسعهم لتحقيق أفضل الشروط في التسويات الأخرى، في سوريا ولبنان.

وتفسير المشهد، في رأي القريبين من «الحزب»، هو أنّ السعوديين سيعقدون صفقة مقايضة: إيران تعطي في الداخل السعودي واليمن، وتأخذ في سوريا ولبنان.

ووفق هؤلاء، سيعني ذلك واقعياً أن يوقف الإيرانيون وحلفاؤهم أيّ حراك يشكل تهديداً لأمن السعودية، بما في ذلك أمنها الاجتماعي. وهذا ما ظهر في الخطوات السريعة جداً والفاعلة لوقف تهريب الكبتاغون إلى المملكة ودول الخليج. كما يعني وقف كل أنواع الإساءة إلى أمن المملكة مِن خاصرتها اليمنية، في موازاة تبريد هذه الجبهة باتفاق سياسي يراعي مصالح الجميع.

وفي المقابل، يفتح السعوديون باباً للرئيس السوري بشار الأسد كي يعود اليوم إلى الحضانة العربية التي كانت قائمة قبل العام 2011، إذ كان الأسد يؤدي دوراً داخل النظام العربي. وقد جرى الإقرار اليوم بأن تقوم المملكة بتقديم مليارات الدولارات إلى دمشق، تحت عناوين الإنماء، ولاحقاً ستتدفّق المليارات ضمن ورشة إعادة الإعمار.

كان الشرط العربي التقليدي لعودة العرب إلى سوريا هو أن يبتعد الأسد عن إيران ويقلّص من نفوذها في دمشق. وطبعاً، سيحاول الأسد إقناع العرب بأنه يبذل كل جهد لتحقيق هذه الغاية، بل إنّ إيران نفسها ستساعده على تسهيل المهمة، ولو شكلاً، وإقناع العرب بذلك. فمصلحتها أيضاً تقضي بأن يحصل على رعاية وأموال عربية. وفي هذا المجال، يأتي الكلام على إزالة أعلام إيرانية من مواقع في سوريا.

ولكن، عملياً، هذا لا يغيّر كثيراً في الواقع. وفي الواقع، يعود العرب اليوم إلى سوريا المتحالفة مع إيران وروسيا والصين. وهم سيعودون إلى منحها التغطية المعنوية والمالية كما فعلوا لعشرات السنين سابقاً.

استطراداً، ماذا عن لبنان، في ضوء هذه المعطيات؟

يقول البعض: أن تموضع الأسد في الحضن العربي، في ظل التوافق السعودي – الإيراني، سيسمح له بالتأثير في الملف اللبناني، في ظل إيران المباشر والقوي.

فلقد اعتاد العرب في لبنان، في مراحل كثيرة، أن يَتعاطوا مع سوريا، ومن خلالها يتم الاحتكاك بإيران. لقد كان يريحهم أن يتفاهموا مع طرف عضو في الجامعة العربية. وأما اليوم، فسيتعاطى السعوديون في لبنان مع إيران مباشرة، ومن خلالها مع سوريا. وفي أي حال، استنتج الجميع أنّ إيران والأسد يشكلان جبهة واحدة، وأنّ تحالفهما العميق هو مسألة حيوية للطرفين.

لذلك، التسوية المنتظرة في لبنان ستراعي إيران والأسد في آن معاً، وسيكون «حزب الله» شريكاً اساسياً فيها. وهو ما يدفع حلفاءه إلى التفاؤل بأنّ السعودية ستوافق في النهاية على طروحاته، خصوصاً في ملف الرئاسة.

ولكن، هل المملكة مستعدة فعلاً لإبرام تسوية تتجاوز حلفاءها وتشكل هزيمة مؤلمة لهم؟

بعض المتابعين يعتقد أنّ الرياض ستقاتل لتحسين ظروف التسوية في لبنان وتحافظ على مواقع حلفائها، لكنها لن تفرّط بمسار استراتيجي تسلكه، هو مسار التوافق الإقليمي مع طهران، من أجل الحصول على أفضل الشروط في لبنان وسوريا. ففي التسويات كلها تكون هناك خسائر في مقابل الأرباح.

ولكن، في رأي آخرين أنّ المملكة تتبع تكتيكاً ذكياً. فهي إذ ضمنت الأرباح في الخليج واليمن، ستترك للآخرين أن يخوضوا المواجهة، بدلاً منها، في لبنان وسوريا.

فإذا كانت الولايات المتحدة تعترض على تكريس نفوذ طهران في لبنان وسوريا، فلتأخذ أمر المواجهة على عاتقها. ويأخذ الخليجيون على واشنطن أنها تتعاطى بمقدار عالٍ من الغموض مع الملفين السوري واللبناني، منذ 12 عاماً، وتتصرف بشكل مُرتبك مع الأسد و»حزب الله».

ولهذا السبب أعلنت المملكة أخيراً مواقف أكثر تحفظاً في ملف الرئاسة في لبنان، وبَدت أكثر انفتاحاً على خيارات جديدة. لكنها تركت للبنانيين أنفسهم وللقوى الدولية المعنية أن يأخذوا على عاتقهم حسم الاتجاه.

والمملكة التي وجهت انتقادات شديدة، طوال سنوات، إلى بعض حلفائها الذين تَمادوا في مسايرة «حزب الله» والتنازل له، لن تعاكس توجهاتها السابقة، ولن تقوم هي نفسها بالطلب من حلفائها أن يتنازلوا هذه المرة.

على الأرجح، هي ستفاوض لتحسين الشروط في لبنان. لكنها لن تذهب بعيداً في المواجهة. وفي النهاية، هذه ليست مسؤوليتها وحدها. وستراهن على أن تأخذ الأمور مداها، وتفرض الخيارات نفسها بنفسها، وفق ما يقتضي ميزان القوى في الداخل والخارج. ويكون ما كتب قد كتب.

أحدث المقالات

قمة فرنسا – قطر: لا حلول لبنانيّة

التعاطي اللبناني مع زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لباريس أضفى...

مسعى هوكستين يربط بين الرئاسة والحرب

في لقاءاتها ترفض السفيرة الأميركية ليزا جونسون ربط الرئاسة بحرب غزة، إلّا أنّ المسار...

أمير قطر في فرنسا.. أتقرأ باريس في كتاب الدوحة؟

حضر لبنان في قمة القطرية الفرنسية التي شهدتها العاصمة باريس خلال زيارة الدولة التي...

لبنان تبلّغ رسمياً: الهدنة في غــزة تسري على لبنان

لم يبدّل التصعيد الإسرائيلي المتمادي حيال لبنان موقف «حزب الله» الذي يستبعد احتمال شنّ...

المزيد من هذه الأخبار

تضارب بالرؤى بين فرنسا وأميركا: لا تراهنوا على هوكشتاين!

تتشعب الاختلافات والتباينات بين الدول المهتمة بلبنان. فعلى الرغم من التحركات الخماسية، إلا أن...

الدهاء الإيرانيّ… والتذاكي اللبنانيّ

الثابت الوحيد في حرب غزّة أنّ هذه الحرب ستطول. يعود ذلك إلى عجز إسرائيل...

قضاة وأمنيّون يَحكمون “دولة بالوكالة”

كرّس تكليف رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود رئيس الغرفة السابعة في محكمة...

هل تنتج عودة “الولد الضائع” الإيراني رئيساً في لبنان؟

هل فعلاً اللجنة الخماسية المعنيّة بلبنان موحّدة؟ وهل يستمرّ هذا الاتحاد على موقف واحد...

الحزب متفهّماً باسيل: إيجابي وموضوع غزة ليس جديداً

معزّزاً موقف رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال عون، استكمل رئيس «التيار الوطني الحر» النائب...

لقاءات الوقت الضائع… وعون يَنسف البند رقم 10

يَصعب جدّاً الفصل بين انفلاش رقعة التصعيد جنوباً وصولاً إلى صيدا، وربّما زحفاً نحو...

الرهان على “قوة قاهرة”: مسار الجنوب من مصير رفح؟

مسار الحرب على غزة، كما مصير المواجهة المفتوحة على الجبهة الجنوبية للبنان، كلاهما يرتبطان...

الحريري إلى موسكو: لا استثنائية في الحدث

تزامن إعلان توجيه دعوة روسية إلى رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، لزيارة موسكو، مع...

إسرائيل في الغازية.. والخماسية اليوم في قصر الصنوبر

في الوقت الذي تأخذ فيه المواجهات بين الحزب والجيش الإسرائيلي بُعداً تصعيدياً مع اتساع...

قصر الصنوبر يستضيف سفراء “الخماسية”..وباريس ترتب اجتماعاً لدعم الجيش

يستأنف سفراء الدول الخمس بدءاً من اليوم الثلاثاء تحركاتهم على الساحة الداخلية، على أن...

رئيس ما بعد غزّة لن يصل بـ “الدّبّابة”!

لا جديد فعليّاً أمام اللجنة الخماسية، بفرعها الخارجي والمحلّي، سوى دعوة أفرقاء الصراع في...

منع إسرائيل من الانتصار.. هل يفرض حرباً استباقية؟

هل لا يزال خطر الحرب الإسرائيلية الواسعة على لبنان قائماً؟ تتضارب القراءات والتحليلات والمعلومات...

عدم مجيء هوكستين… هل ينذر باحتمال توسعة الحرب؟

لم تلق الورقة الفرنسية التي تسلّمها لبنان من وزير الخارجية ستيفان سيجورنيه، لإنهاء الأعمال...

طهران تنخرط في رئاسة لبنان بعد تفاهمها مع واشنطن؟

يجزم الذين يراقبون الاتصالات بين أميركا وإيران، أنّ مخاطر توسّع حرب إسرائيل على غزة...

أسرار إيرانيّة من اليمن والعراق إلى سوريا وسيّدتها الأولى (2)

بين تدمير عدشيت وإحراق كريات شمونة… وبين قلق إسرائيل من القيادي الفتحاوي مروان البرغوثي...